الشيخ محمد رشيد رضا
84
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد علم مما قررناه ان قوله « منه » متعلق بمحذوف صفة لروح أي وروح كائنة منه . وزعم بعض النصارى ان من للتبعيض وان عيسى جزء من اللّه ابمعنى انه ابنه . ونقل المفسرون ان طبيبا نصرانيا للرشيد ناظر علي بن حسين الوقدي المروزي ذات يوم فقال له ان في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السّلام جزء منه تعالى ، وتلا هذه الآية . فقرأ له الواقدي قوله تعالى ( 45 : 12 وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) وقال يلزم إذا أن تكون جميع هذه الأشياء اجزاء منه تبارك وتعالى ، فانقطع النصراني وأسلم ففرح الرشيد باسلامه ووصل الواقدي بصلة فاخرة أما أناجيل النصارى وكتبهم فقد استعملت لفظ الروح في معان مختلفة فيما يتعلق بالمسيح وفي غير ما يتعلق به . فمن ذلك قول متى ( 1 : 18 أما ولا دة يسوع المسيح فكانت هكذا : لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس ) وفي الفصل الأول من إنجيل لوقا تفصيل لظهور الملك جبريل لها وتبشيره إياها بولد ومحاورتهما في ذلك ، ومنها انها سألته عن كيفية ذلك فقال لها « 35 الروح القدس يحل عليك » فروح القدس ليس هو اللّه ، ومن يؤيده اللّه به لا يكون إلها ، ففي هذا الفصل نفسه من إنجيل لوقا أن ( اليصابات ) أم يحيى امتلأت من الروح القدس ( 41 ) وبذلك حملت بيحيى وكانت عاقرا . - وان زكريا أباه امتلأ من الروح القدس ( 67 ) وفي الفصل الثاني منه ما نصه « 25 وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان وهذا الرجل كان بارا تقيا ينتظر تعزية إسرائيل والروح القدس كان عليه 26 وكان قد أوحي اليه بالروح القدس » وهذا الاستعمال كثير عندهم لا حاجة لا ضاعة الوقت بكثرة ايراد الشواهد فيه ، وانما نقول أن روح القدس عندهم وعندنا واحد وهو ملك من ملائكة اللّه الذين لا يحصي عددهم غيره تعالى ، والقدس الطهر ، ويذكر في مقابله في الأناجيل الروح النجس أي الشيطان ، فجعلوه إلها كما فعل الوثنيون من قبل وجملة القول إن هذه الأناجيل تدل على ما ذكرناه آنفا من كون عيسى خلق بواسطة روح القدس ، وأن يحيى خلق كذلك ، وكان خلقه آية من وجه آخر إذ كان